إعادة تشكيل الجغرافيا السياسية السورية: نحو كيانات إثنية وطائفية متناحرة ... بقلم الدكتور قاسم الحطاب
تشير بعض التحليلات إلى أن ما يحدث في سوريا منذ اندلاع الأزمة عام 2011 ليس وليد اللحظة، بل امتدادٌ لخطةٍ جيوسياسية بدأت تتبلور منذ تسعينات القرن العشرين،
تهدف إلى إعادة رسم الخريطة السورية على أسس إثنية وطائفية. يتناول هذا المقال الأكاديمي جذور هذه الرؤية، ومراحل تنفيذها، والدور الذي تلعبه النخب السياسية، والتدخلات الدولية والإقليمية، مع التركيز على الأحداث الأخيرة في الساحل، والسويداء، والمناطق الكردية.
منذ انهيار الاتحاد السوفيتي وبروز نظام دولي أحادي القطبية بقيادة الولايات المتحدة، ظهرت تحليلات واستراتيجيات غربية ترمي إلى إعادة رسم خرائط الشرق الأوسط بما يخدم مصالح القوى الكبرى. سوريا، بحكم موقعها الجيوسياسي وتنوعها العرقي والديني، كانت دومًا محل اهتمام تلك الاستراتيجيات. فهل ما تشهده سوريا اليوم من تشرذم وتوترات مناطقية يعكس تنفيذ خطة مدروسة مسبقًا لإقامة كيانات متصارعة؟
أولًا: الخلفية النظرية والاستراتيجية للخطة
ظهر مفهوم "إعادة ترتيب الشرق الأوسط" بشكل بارز في كتابات العديد من المفكرين الأمريكيين أمثال برنارد لويس، إضافة إلى تقرير "حدود الدم" الذي نُشر في مجلة Armed Forces Journal عام 2006. وقد اقترحت هذه الرؤى تقسيم دول المنطقة، بما فيها سوريا، إلى كيانات إثنية وطائفية بهدف تفكيك البُنى القومية المركزية التي يُعتقد أنها تقف حائلًا أمام المصالح الغربية والإسرائيلية.
ثانيًا: الخط الزمني لتطبيق الخطة في سوريا
1. مرحلة ما قبل 2011:
تراكم الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية في ظل نظام مركزي قوي.
تصاعد الخطاب الطائفي تدريجيًا، لا سيما بعد احتلال العراق عام 2003، وتأثيراته الإقليمية.
2. ما بعد 2011:
تفجر الحراك الشعبي وتحوله إلى صراع مسلح.
دخول قوى خارجية إقليمية ودولية بتوجهات متناقضة.
ظهور الفصائل المسلحة ذات الهويات الدينية والإثنية المختلفة.
تراجع السلطة المركزية وبروز إدارات محلية ذات طابع قومي أو طائفي.
ثالثًا: الديناميات المناطقية الحالية
1. الساحل السوري:
منذ بداية الأزمة، حافظ النظام على السيطرة المحكمة على الساحل كمنطقة ذات أغلبية علوية. ومع الوقت، تحول الساحل إلى قاعدة إدارية وعسكرية متماسكة، مما يعزز احتمالية تحوله إلى كيان منفصل حال تفكك الدولة.
2. السويداء:
تعيش المحافظة ذات الغالبية الدرزية حالة من التمرد الصامت، حيث بدأت بعض النخب المحلية بإنشاء تشكيلات أمنية وشبه إدارية بعيدة عن سيطرة النظام، بالتوازي مع تصاعد الشعور المحلي بالتميّز والخصوصية.
3. المناطق الكردية (شمال وشرق سوريا):
تمكنت قوات سوريا الديمقراطية، بدعم من التحالف الدولي، من إقامة شبه إدارة ذاتية منذ عام 2014. ورغم عدم الإعلان عن كيان رسمي، إلا أن الواقع يُشير إلى قيام سلطة أمر واقع قائمة على القومية الكردية.
رابعًا: التداعيات المحتملة لإنشاء كيانات إثنية وطائفية
انهيار مفهوم الدولة الوطنية الموحدة.
ديمومة الصراع والحروب بالوكالة.
تغيّر جذري في توازنات القوى الإقليمية، خاصة بين تركيا وإيران وإسرائيل.
تحوّل سوريا إلى ساحة نزاع مفتوح لعقود.
خامسًا: التقييم العام
تشير المؤشرات الميدانية والسياسية إلى أن سيناريو "لبننة سوريا" أو "عراقنتها" ليس بعيد المنال، خاصة في ظل غياب توافق وطني شامل، واستمرار التدخلات الخارجية، وانقسام المجتمع السوري على أسس طائفية وإثنية. غير أن هذا السيناريو ليس حتميًا، إذ أن وجود قوى وطنية ومدنية تدعو إلى إعادة بناء الدولة على أساس المواطنة، ما زال يشكل أملًا في منع هذا المسار التقسيمي.