ما لا يُدركَهُ خصوم طهران: الاجتماع الديني الشيعي أساس النظام Continue reading at ما لا يُدركَهُ خصوم طهران: الاجتماع الديني الشيعي أساس النظام
كتب علي المؤمن
الاجتماع الديني الشيعي ـ والنظام السياسي الذي يفرزه ـ ليس مجرد انتماء مذهبي كأي انتماء ديني أو مذهبي آخر، بل هو منظومة قيمية ومعرفية وإيديولوجية وتنظيمية متكاملة، أنتجت عبر قرون من الزمن مؤسساتها ورموزها ونخبها وآليات حمايتها الذاتية.
أي أن النظام في إيران معجون بهذا الاجتماع، ويستحيل الفصل بينهما، إلا إذا حصل تفكيك شامل للبنية الاجتماعية الدينية الشيعية ذاتها، وهو تفكيك لم تتمكن دول وقوى كبرى في التاريخ من تحقيقه؛ ليس أولها الدولة العباسية، وليس آخرها الولايات المتحدة الأميركية.
هذا الارتباط العضوي للنظام السياسي في إيران بالاجتماع الديني الشيعي يعني أن هذا النظام هو نتاج تفاعل تاريخي وعقدي وفقهي تشكّل عبر قرون طويلة، ولا يمكن للمؤسسة الشيعية، بقيادتها المرجعية وفقهائها ونخبها وقواعدها الشعبية، التي تتفوّق عدداً ونوعاً بأضعاف على النخب والقواعد الخارجة على الاجتماع الديني الشيعي، أن تضحي بكل ذلك التاريخ والتفاعل العقدي والفقهي لحساب حصار اقتصادي وغزو خارجي، عسكري أو ثقافي أو إعلامي، مهما بلغت قوته وشراسته، أو أن تتنازل عن الدولة الشيعية الوحيدة لصالح فئات قومية وعنصرية وعلمانية ومتغربة، منسلخة عن جلدتها ونظامها الاجتماعي الديني المذهبي. بناءً على ذلك، فإن أي قوة داخلية أو خارجية ترى إمكانية إسقاط النظام الشيعي في إيران إنما تجهل هذه الحقيقة البنيوية أو تتجاهلها؛ إذ أن إسقاط هذا النظام لا يعني تغيير نظام سياسي أو إزاحة نخب سياسية، بل يعني بالضرورة اجتثاث الاجتماع الديني الشيعي نفسه. وهذا الاجتثاث ليس صعباً فحسب، بل هو يكاد يكون مستحيلاً من حيث الواقع التاريخي والاجتماعي؛ لأنه يساوي عملياً إعادة إيران إلى ما قبل الحكم الصفوي، أي قبل التحول المذهبي الجذري الذي أعاد تشكيل هوية الدولة والمجتمع في إيران والبلدان المحيطة. هذا السيناريو شبه المستحيل يتطلب حدوث استحالة مذهبية عامة في البلاد، تشمل تغيير العقيدة الجمعية، والبنية المرجعية، والذاكرة التاريخية، وأنماط التدين، والعلاقات الاجتماعية. وهذه الاستحالة ليست سوى خيال محض، مهما بلغت شدة الضغوط أو تنوّعت أدوات الصراع.