حكومة تصريف الأعمال وقراراتها الارتجالية في ضوء الدستور العراقي: دراسة قانونية تحليلية” بقلم الدكتور قاسم الحطاب
تُعدّ حكومة تصريف الأعمال مرحلة انتقالية محدودة الصلاحيات في الأنظمة الدستورية، تُناط بها مهام تسيير الأمور اليومية للدولة دون اتخاذ قرارات جوهرية تمسّ السياسة العامة أو تترتب عليها التزامات مالية طويلة الأمد. غير أنّ التجربة العراقية الحديثة أظهرت تجاوزات متكرّرة من قبل حكومات منتهية الصلاحية القانونية، أصدرت قرارات ذات أثر مالي وتشريعي كبير، مما أثار جدلاً واسعاً حول مدى دستوريتها ومشروعيتها القانونية.
أولاً: الإطار الدستوري لحكومة تصريف الأعمال في العراق
لم يرد في الدستور العراقي لعام 2005 تعريف دقيق لمفهوم “تصريف الأعمال”، إلا أنّ المحكمة الاتحادية العليا بيّنت هذا المفهوم في أكثر من قرار تفسيري.
ففي قرارها رقم (121/اتحادية/2022)، أكدت المحكمة أن حكومة تصريف الأعمال حكومة ناقصة الصلاحيات، ولا يجوز لها اتخاذ قرارات استراتيجية أو مالية تتجاوز إدارة الشؤون اليومية. ويقتصر عملها على الإجراءات الروتينية اللازمة لاستمرار المرافق العامة.
ويُستفاد من هذا التفسير أنّ الحكومة في مرحلة تصريف الأعمال تفقد صلاحياتها السياسية والتشريعية، ولا تملك سوى صلاحيات محدودة لضمان استمرارية الدولة فقط.
ثانياً: الطبيعة القانونية لقرارات حكومة تصريف الأعمال
تستند صلاحيات حكومة تصريف الأعمال إلى مبدأ الاستمرارية الإدارية، الذي يهدف إلى منع الفراغ الدستوري والإداري. إلا أنّ هذا المبدأ لا يجيز للحكومة اتخاذ قرارات جوهرية كإقرار موازنات جديدة، أو منح مخصصات مالية استثنائية، أو إصدار قرارات تمسّ البنية الاقتصادية للدولة.
وفي الحالة العراقية الأخيرة، أصدرت الحكومة المنتهية الولاية قرارات تمسّ مباشرة شريحة الموظفين عبر إجراءات مالية، في حين حافظت على الامتيازات العالية للرئاسات الثلاث وبعض المؤسسات المرتبطة بها، وهو ما يعدّ تمييزاً مالياً مخالفاً لمبدأ العدالة والمساواة المنصوص عليه في المادة (14) من الدستور العراقي.
ثالثاً: التقييم الدستوري لتجاوز الصلاحيات
يُعدّ إصدار قرارات مالية أو إدارية خارج صلاحيات حكومة تصريف الأعمال خرقاً لمبدأ المشروعية الذي يحكم العمل الإداري. ووفقاً للمادة (13) من الدستور، فإن أي قرار أو إجراء يتعارض مع أحكام الدستور يُعدّ باطلاً.
وبالتالي، فإن القرارات التي تمسّ هيكل الرواتب، أو تعيد توزيع المخصصات دون سند قانوني من البرلمان، تُعتبر غير دستورية ويمكن الطعن فيها أمام المحكمة الاتحادية العليا استناداً إلى المادة (93/أولاً) من الدستور.
رابعاً: الآثار الإدارية والاجتماعية
أدت هذه القرارات الارتجالية إلى:
1. زعزعة الثقة بالسلطة التنفيذية، إذ بات يُنظر إليها كمصدر عدم استقرار قانوني.
2. إرباك الإدارة المالية للدولة نتيجة تغيّر الالتزامات المالية دون تخطيط مسبق.
3. تفاقم الفوارق الطبقية بين فئات الموظفين، وهو ما يتنافى مع مبدأ العدالة الاجتماعية المنصوص عليه في المادة (10) من الدستور.
خامساً: التوصيات
1. تعديل قانون مجلس الوزراء رقم (6) لسنة 2019 بإضافة مادة تُحدد بدقة صلاحيات حكومة تصريف الأعمال، بما يمنع التفسير الواسع.
2. إلزام مجلس الوزراء بنشر تبريرات قراراته خلال مرحلة تصريف الأعمال لتفعيل مبدأ الشفافية والمساءلة.
3. تفعيل دور مجلس النواب والمحكمة الاتحادية في الرقابة الفورية على القرارات ذات الطابع المالي أو السياسي.
4. إقرار مدونة سلوك حكومي تُلزم الوزراء المنتهية ولايتهم بعدم اتخاذ قرارات تمسّ المصلحة العامة أو الموظفين إلا بإذن دستوري.
الخاتمة
إن تجاوز حكومة تصريف الأعمال لصلاحياتها القانونية في العراق يُعدّ مؤشراً على ضعف الالتزام بمبادئ الدستور وفصل السلطات. ويجب أن تُقوّم هذه الممارسات تشريعياً ورقابياً، لضمان أن تبقى حكومة تصريف الأعمال مجرد أداة لإدارة الدولة مؤقتاً، لا وسيلة لفرض قرارات ارتجالية ذات طابع سياسي أو مالي.
فاستقرار الدولة الدستورية لا يتحقق إلا بسيادة القانون، وتقييد السلطة بحدودها التي رسمها الدستور.