النظام الإيراني قد «يحبس أنفاس العالم» — تحليل موسع ومترابط - بقلم الدكتور قاسم الحطاب
المقدمة
النقاش حول سياسة الضغوط أو الضربات العسكرية ضد إيران لا يمكن اختزاله في منطقٍ ثنائي بسيط: «إما الردع أو الإقصاء». النظام الإيراني يمتلك مجموعة أدوات ردع غير تقليدية — عسكرية، اقتصادية، سياسية وحتى نووية محتملة — تجعل أي عملية عسكرية أميركية مقابلة تقتضي حسابات دقيقة جداً ومقاربة استراتيجيّة متعددة المستويات. في السطور التالية أوسع النقاط التي طرحتها وأضع لكلٍّ منها أبعادها العملية، مخاطره المحتملة، والطرق التي قد تفكر بها إدارة واشنطن أو المجتمع الدولي للتعامل معها.
1) إغلاق مضيق هرمز — سلاح «اقتصادي» بآثار عالمية
مضيق هرمز هو شريان رئيس للطاقة العالمية — نحو خمس شحنات النفط العالمية تمرّ من خلاله. أي محاولة لإغلاقه أو تعطيل الملاحة (بالألغام البحرية أو استهداف الناقلات) يمكن أن تُحدث صدمة فورية في أسواق الطاقة وتدفع الأسعار للصعود الحاد، ما يضرّ بشكل خاص باقتصادات مستهلكة كبيرة مثل الصين والهند ويزيد الضغوط التضخمية عالمياً. تقديرات البنوك والتحليليين تظهر سيناريوهات يرتفع فيها برنت إلى مستويات مرتفعة مؤقتاً إذا شلت حركة عبر المضيق. 
عمليّاً: إغلاق طويل الأمد صعب لكنه ممكن جزئياً عبر هجمات متقطعة أو زرع ألغام، على أن تكاليف ذلك سترتد على إيران أيضاً (عبر تأثيرات على صادراتها وموانئها وسمعتها التجارية) — لكن الضربة الاقتصادية المتبادلة قد لا تكون كافية لردع استراتيجي يعتمد عليه القادة في لحظة «رهان وجودي».
2) خطر «تسرب نووي» أو حوادث إشعاعية أثناء حرب
الخوف من حوادث إشعاعية كبيرة في سياق هجوم أو غارات على مواقع نووية يأتي من احتمال تعرض منشآت سيئة التصميم أو غير المهيأة للحرب للضرر، مما يؤدي إلى إطلاق مواد مشعة. الحديث عن «كارثة تشبه تشيرنوبل» يجب أن يؤخذ بحذر (لأن كل منشأة وموادها وظروفها تختلف)، لكن الفكرة الجوهرية صحيحة: التعرض الإشعاعي غير المسيطر قد يخلق أزمة بيئية وصحية واسعة النطاق وتتطلّب استجابة إنسانية دولية كبيرة. المراجع العلمية والمختصون يحذرون من أن مخاطر تهدّم مرافق نووية أو تخزين مواد نووية أثناء القتال ليست أمراً يمكن تجاهله. 
نهج التقليل: أي ضربة يجب أن تدمج عناصر استهداف دقيقة واحتياطات لتفادي ضرب مواقع حساسة بنيوياً، ولكن الواقع الميداني في الحروب يجعل الاحتمال الصغير لتحول حادث إلى كارثة خطراً ينبغي للمشرّعين وصانعي السياسة أخذه بجدية.
3) تهريب اليورانيوم أو المواد الانشطارية إلى السوق السوداء
تاريخياً، فترات الانهيار أو الاضطراب (مثل تفكك الاتحاد السوفيتي في التسعينات) أنشأت سوقاً لبيع مواد نووية عبر وسطاء ومهرّبين، وحالات ضبط مواد منشورة موثقة. تخوفات من نقل مواد إيرانية إلى شبكات تهريب أو إلى جهات غير مرغوب بها ليست مجرد فرضية نظرية، لكنها خطر قائم يستلزم مراقبة استخباراتية وقيود صارمة على أي شبكة ممكنة للتجارة غير المشروعة. 
سياسياً: هذا يخوّف من «انتشار أفقي» — أي وصول مواد أو تقنيات إلى جماعات أو دول عدائية، وهو سبب رئيسي لقلق الغرب حول أي انهيار للنظام أو نقص رقابة على الترسانة النووية.
4) القدرة الصاروخية والاستهداف العميق لإسرائيل
إيران طوّرت خلال السنوات الماضية منظومات صاروخية باليستية وصواريخٍ طويلة المدى ودعم مصانع تكنولوجية ومحلية، كما أظهرت التجارب والاشتباكات السابقة قدرة على ضرب قواعد أو أهداف في مسافات متوسطة. التجارب السابقة (مثل إطلاق صواريخ كبيرة ضد قواعد أو إطلاق صواريخ نحو أراضٍ بعيدة في حلقات من التوتر) تُظهر أن قدرة إيران أو وكلائها على استهداف «العمق» موجودة وقابلة للتصعيد. 
تداعيات: أي تصعيد قد يضع إسرائيل أمام معضلة الردّ المتناسب أو الاستراتيجي، وقد يشعل جبهات متعددة (سورية، لبنان، العراق، البحر الأحمر) — ما يزيد من تعقيد الحدود بين ضربة عسكرية ضيقة وحرب إقليمية.
5) استهداف قواعد أمريكية ومنشآت مدنية بالمنطقة
القدرة على استهداف قواعد أمريكية أو مرافق نفطية وبنى تحتية بحرية ومرافق حيوية (محطات تحلية، كابلات بحرية، منشآت نفط وغاز) تُعدّ جزءاً من أدوات الضغط: ضرب بنى تحتية مدنية قد يؤدّي لتبعات إنسانية ويضغط على حكومات المنطقة للبحث عن حلول سريعة للتخفيف. الأحداث الأخيرة والضربات عبر الوكلاء تُظهر قدرة طهران على تهديد قواعد ومنصات مختلفة في الخليج. 
الواقع العسكري: الدفاع عن هذه الأصول يستلزم تنسيقا إقليميا ودوليًا موسعا، وتكوينا دفاعيا متقدما ضد الطائرات المسيرة والصواريخ.
6) احتمال استخدام «قنبلة قذرة» (dirty bomb) كأداة رجّاحة للمشهد
القنبلة القذرة — جهاز يجمع متفجرات تقليدية مع مواد مشعة لنشر إشعاع في منطقة — تُصنّف غالباً كسلاح قذر يخلق رعباً ونكسة اقتصادية وصحية، لكنه ليس سلاحاً نووياً تفجيرياً. المخاطر تكمن في إمكانية استخدامها لزعزعة الاستقرار داخل منطقة أو خلق حالة طوارئ طويلة الأمد. الهيئات التشريعية والخبراء الأمنيون لطالما حذروا من احتمالات استخدام مثل هذه الوسائل من جهات يائسة أو متطرفة. 
استجابة ممكنة: تحسين مراقبة المواد المشعة، تعزيز قدرات الجمارك والموانئ، وتعزيز قدرات الطوارئ الطبية والبيئية.
⸻
لماذا الأمريكيون والأطراف الدولية يفكرون مرتين؟
1. تكلفة الفراغ الاستراتيجي: إسقاط نظام كلِّي أو تشويهه يخلق فراغًا لا يوجد بديل واضح لصيانته أو إدارة ملف البرنامج النووي. هذا يزيد احتمالية حصول عناصر عدائية على ما تبقّى من المعرفة أو المواد.
2. تكاليف عالمية: أعطال في إمدادات الطاقة أو تدفق لاجئين أو أوبئة إشعاعية ستكون لها انعكاسات عالمية اقتصادية وسياسية.
3. تعدد ساحات المواجهة: الردّ الإيراني من خلال الوكلاء والصواريخ وتهديد خطوط الإمداد قد يجعل الصراع سريع الانتشار عبر أكثر من جبهة، ما يعقّد قرار التدخل المحدود.
⸻
سيناريوهات محتملة قصيرة ومتوسطة المدى
• تصعيد متدرّج ومحدود: هجمات متبادلة بين طهران ووكلائها وإسرائيل والولايات المتحدة، مع محاولات دبلوماسية لاحتواء الأمر.
• إغلاق جزئي لمضيق هرمز: موجة صعود فورية لأسعار الطاقة، وتحركات دبلوماسية لفتح بدائل لوجستية. 
• حرب إقليمية أوسع: إذا انتقلت الضربات إلى أهداف استراتيجية نووية أو بنى تحتية حساسة، قد تتوسع المواجهة إلى دول أخرى ومحاور بحرية متعددة.
• انتشار مواد نووية: في حال انهيار مؤسسات الرقابة، هناك خطر حقيقي لتهريب مواد نووية أو تسريبها إلى السوق السوداء — الأمر الذي سبق أن تكرر جزئياً في فترات الانهيار. 
⸻
توصيات سياسية واستراتيجية (موجزة)
• تخطيط دقيق لهدف الضربة ونتائجها: لا بدّ من خطط طوارئ مترافقة مع أي خيار عسكري (دبلوماسي، اقتصادي، إنساني).
• تعزيز الردع الدفاعي الإقليمي: دعم حلفاء الخليج بقدرات دفاعية ضد الصواريخ والطائرات المسيرة.
• تكثيف مراقبة وسلاسل الإمداد النووية: عمل دولي (منظمات دولية ووكالات الرقابة) لضمان عدم تسرب المواد أو مكونات حساسة. 
• قنوات احتواء دبلوماسي: إبقاء قنوات اتصال مفتوحة لتقليل مخاطر سوء التقدير وخلق آليات للحد من التصعيد.
⸻
خاتمة
القول إنّ «النظام الإيراني قد يحبس أنفاس العالم» ليس مبالغة إن أخذنا في الاعتبار أنّ طهران تمتلك معادلاً للقدرة على إحداث اضطراب اقتصادي واستراتيجي كبير — من مضيق هرمز إلى شبكات الصواريخ والوكلاء وحتى خطر تسرب مواد نووية أو استغلالها. لذلك، أي قرار أميركي أو إقليمي يتعلّق بضربات موجهة ضد إيران يجب أن يُقاس ليس فقط بما سيحققه من هدف فوري، بل بما سيفعله بنسق الأمان العالمي والإقليمي في الأسابيع القادمة