إيران بين خيارين: التفاهم أو الصدام… معادلة إعادة تشكيل المنطقة بقلم الدكتور قاسم الحطاب 
ما يُطرح اليوم على طاولة إيران ليس مجرد “جولة جديدة من المفاوضات النووية”، بل ما يشبه وثيقة استسلام سياسي وعسكري شامل، تُعيد تعريف موقع الجمهورية الإسلامية في الإقليم، وتعيد ضبط ميزان القوى الذي بُني خلال أربعة عقود من التمدد والنفوذ.

فالشروط التي تُتداول – سواء عبر القنوات الدبلوماسية أو من خلال التسريبات المقصودة – لا تترك مجالًا كبيرًا للمناورة:
 • تسليم اليورانيوم عالي التخصيب وتصفير المخزون النووي، أي إنهاء ما تبقى من “ورقة الضغط” التي كانت تستخدمها طهران في كل تفاوض.
 • إغلاق البرنامج النووي نهائيًا تحت رقابة دولية دائمة، ما يعني انتهاء أي إمكانية لاستئناف مشروع الردع المستقل.
 • تفكيك المنظومة الصاروخية والباليستية، وهي أحد أهم أعمدة الدفاع الاستراتيجي الإيراني في مواجهة التفوق الجوي الغربي والإسرائيلي.
 • إيقاف إنتاج وتشغيل المسيّرات والصواريخ الجوالة التي غيّرت معادلات الردع في السنوات الأخيرة.
 • قطع الأذرع الإقليمية وإنهاء دعم الميليشيات الممتدة من لبنان إلى اليمن والعراق وسوريا.

هذه ليست “شروط تفاوض”، بل مشروع لتفكيك عناصر القوة الإيرانية، وتحويلها من دولة فاعلة إلى دولة منضبطة داخل حدودها، خالية من أدوات النفوذ الإقليمي التي كانت تمثل جوهر مشروعها منذ 1979.

بين قبول يُنهي الدور… ورفض يُشعل الصراع

إيران أمام مفترق تاريخي:
 • إذا قبلت بهذه الشروط، فإنها عمليًا تُقرّ بنهاية مرحلة كاملة من مشروعها الإقليمي، وتتحول من لاعب إلى “موضوع” في معادلة الأمن الإقليمي، لا تملك سوى التكيّف مع ما يُفرض عليها. سيكون ذلك بمثابة نهاية الدور الإيراني كقوة ثورية ومؤثرة في الجغرافيا السياسية للشرق الأوسط.
 • أما إذا رفضت، فستواجه تصعيدًا واسع النطاق قد لا يقتصر على العقوبات أو الضربات المحدودة، بل قد يمتد إلى مرحلة صدام مفتوح، تشترك فيه أطراف إقليمية ودولية، وتتحول فيه الجبهات المشتعلة – من غزة إلى اليمن والعراق وسوريا ولبنان – إلى ميادين ضغط متبادلة. في هذه الحالة، لن يُدفع الثمن داخل إيران فقط، بل في كل الساحات التي تشكّل امتداد نفوذها.

إعادة رسم خريطة القوة في الشرق الأوسط

المرحلة المقبلة، أياً كان مسارها، ستحدد ملامح توازن جديد في المنطقة. فالتسويات الكبرى لا تُصنع إلا على أنقاض الأزمات الكبرى.

الولايات المتحدة وحلفاؤها يسعون إلى تصفير مصادر التهديد قبل إعادة ترتيب النظام الإقليمي، بينما تراهن إيران على أن الزمن والوقائع الميدانية ما زالت تمنحها أوراق ضغط تمنع فرض الإملاءات عليها بالكامل.

في المقابل، القوى الإقليمية – من الخليج إلى تركيا وإسرائيل – تراقب المشهد بترقب شديد، لأنها تدرك أن نتائج هذه المرحلة ستحدد شكل النفوذ في العقد القادم: من يملك اليد العليا في رسم الحدود السياسية والنفوذ الأمني والاقتصادي للمنطقة.


الخلاصة: لحظة المفترق

نحن أمام لحظة مفصلية في تاريخ الشرق الأوسط:
إما أن تُعاد صياغة التوازنات عبر تفاهمات قسرية تحفظ لكل طرف جزءًا من مصالحه،
أو تُفرض بالقوة عبر صدام إقليمي واسع يعيد المنطقة إلى منطق الحرب بالوكالة وربما المواجهة المباشرة.

في كلتا الحالتين، لم تعد إيران قادرة على المناورة القديمة بين الضغط والتفاوض.
فالملف اليوم لم يعد نوويًا فحسب… بل وجوديًا يتعلق بمستقبل مشروعها ودورها ومكانتها في النظام الإقليميّ والدولي .
2026-02-04 12:41 AM768