القصة الخامسة من مجموعة الرجل الذي باع ظله ... ساعة البرج ... بقلم جليل هاشم البكاء
في قرية صغيرة نائية محاطة بالغابات الكثيفة، كان هناك برج قديم يعلوه ساعة ضخمة. لم تكن الساعة تعمل كأي ساعة عادية، فقد كان يُقال إن من يدير عقاربها يستطيع تغيير الزمن ...
البرج كان مهجورًا منذ سنوات، والجميع يخاف الاقتراب منه بسبب أسطورة قديمة:
من يعبث بالساعة، سيُعاقب بقسوة لا يستطيع الهروب منها ...
لكن الفضول دائمًا أقوى من الخوف.
كان في القرية شاب صغير يدعى يوسف. كان يوسف مغامرًا بطبيعته، ودائمًا ما يبحث عن طرق ليُثبت شجاعته. لم يكن يؤمن بالأساطير، وقرر أن يكتشف بنفسه سر الساعة.
ذات ليلة مظلمة، تسلل يوسف إلى البرج. صعد السلالم المهترئة حتى وصل إلى الساعة. كانت ضخمة، وعقاربها متوقفة عند الرقم 12.
لم يستطع يوسف مقاومة رغبته في التجربة. أمسك بالعقارب وأدارها للخلف. فجأة، شعر بدوار، واختفى البرج من حوله ...
عندما استعاد وعيه، وجد نفسه في ماضي القرية، قبل عشرين عامًا. رأى والدته صغيرة تلعب مع صديقاتها، ورأى كيف كانت القرية تعج بالحياة. شعر بالدهشة والسعادة، لكنه لم يستطع التفاعل مع أحد، فقد كان غير مرئي بالنسبة لهم.
عاد يوسف إلى الساعة، وأدارها هذه المرة للأمام بدافع الفضول. مجددًا، دوار قوي، ثم وجد نفسه في المستقبل. لكن ما رآه لم يكن جميلًا: القرية كانت خرابًا، والأرض جافة، والناس يعيشون في خوف وبؤس ...
رأى نفسه في المستقبل، رجلًا عجوزًا منهكًا، يحدق في السماء كأنه ينتظر شيئًا لن يحدث أبدًا.
عاد يوسف إلى الحاضر بحالة من الذهول والخوف. أدرك أن العبث بالزمن ليس مجرد لعبة، وأنه مسؤول عما يحدث في قريته ...
قرر أن يستخدم الساعة مرة أخيرة، لكن هذه المرة ليس للسفر، بل لإعادة الزمن إلى طبيعته.
عندما أمسك بالعقارب ليعيدها إلى 12، ظهر أمامه ظل غامض. كان شبحًا لرجل عجوز، قال له بصوت عميق:
التلاعب بالزمن له ثمن، والآن عليك أن تدفعه ...
في اليوم التالي، اختفى يوسف، لكن الساعة توقفت عن العمل نهائيًا، وأصبحت مجرد قطعة من المعدن الصامتة.
في قلب القرية، نصب السكان تمثالًا صغيرًا ليوسف وكتبوا عليه:
الزمن ليس لعبة، وحياتنا تُصنع بأفعالنا اليوم، وليس بتغيير الماضي بل بالحرص على المستقبل بفعل الحاضر ...
كل لحظة نعيشها ثمينة، وما نفعله اليوم يحدد غدنا. العبث بالزمن لا يجلب إلا الندم ...